محمد بن محمد ابو شهبة
416
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
وكانت حصونهم ثلاثة مجاميع ، وكل مجموعة ثلاثة حصون تمتد من الجنوب إلى الشمال ، يتخلّلها النخيل والزروع والمنازل المتفرقة . وهذه المجاميع هي : النطاة ، والشق ، والكتيبة ، أما النطاة فكانت ثلاثة حصون : ناعم ، والصعب ، وقلة ، وكانت الشق حصنين : أبي ، والبريء ، وأما الكتيبة فكانت ثلاثة حصون : القموص ، الوطيح ، والسلالم . وتشاور اليهود فيما بينهم فأشار عليهم زعيمهم سلام بن مشكم فأدخلوا أموالهم وعيالهم حصني الوطيح والسلالم ، وأدخلوا ذخائرهم حصن ناعم ، ودخلت المقاتلة وأهل الحرب حول حصن النطاة . والتقى الجمعان حول حصن نطاة واقتتلوا قتالا شديدا ، وضيّق المسلمون الحصار على حصون خيبر ، واليهود يستميتون في الدفاع عنها لأنهم يعلمون أن هزيمتهم ما هي إلا القضاء الأخير عليهم في جزيرة العرب ، وتتابعت الأيام والقتال يشتد ، فالمسلمون يبدون من ضروب الشجاعة والاستبسال والتضحية ما هم أهل له ، واليهود يستميتون في الدفاع ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « لأعطينّ الراية غدا رجلا يفتح اللّه عليه يحب اللّه ورسوله ، ويحبه اللّه ورسوله » . فبات الناس ليلتهم يتمنى كل منهم أن يعطاها ، حتى إن عمر قال : ما أحببت الإمارة إلا يومئذ ، فلما أصبح الصباح قال : « أين علي بن أبي طالب » ؟ فقالوا : هو يا رسول اللّه يشتكي عينيه ، فدعاه فبصق رسول اللّه في عينيه ودعا له فبرأ بإذن اللّه ، فأعطاه الراية وقال له : « انفذ إليهم ، ثم ادعهم إلى الإسلام ، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق اللّه تعالى ، فو اللّه لأن يهدي اللّه بك رجلا واحدا خير لك من حمر النّعم » « 1 » . ولما ذهب إليهم خرج مرحب اليهودي يختال في سلاحه ، ويرتجز ويدعو إلى المبارزة قائلا :
--> ( 1 ) رواه البخاري ومسلم .